ابن كثير

171

البداية والنهاية

في أماكنه مفرقة . قال : وكان في محراب الصحابة برنية حجر من بلور ، ويقال بل كانت حجرا من جوهر وهي الدرة ، وكانت تسمى القليلة ، وكانت إذا طفئت القناديل تضئ لمن هناك بنورها ، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل الجوهر - بعث إلى سليمان والي شرطة دمشق أن يبعث بها إليه ، فسرقها الوالي خوفا من الناس وأرسلها إليه ، فلما ولي المأمون ردها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين . قال ابن عساكر : ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج ، قال : وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شئ ، قالوا : وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق ، وإنما كان عليها الستور مرخاة ، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير ، وعملوا له شرفات تحيط به ، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس ، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة ، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا ، بنتها اليونان للرصد ، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن ، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة ، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى ، حيث اتهموا بحريقها ، فقامت على أحسن الاشكال ( 1 ) ، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال ، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان . قلت : ثم أحرق أعلى هذه المنارة وجددت ( 2 ) ، وكان أعلاها من خشب فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين وسبعمائة ، فصارت كلها مبنية بالحجارة . والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه ، ولا أبهى ولا أجمل منه ، بحيث إنه إذا نظر الناظر إليه أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه وجماله ولا يمل ناظره ، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى ، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شئ من الحشرات بالكلية ، لا من الحيات ولا من العقارب ، ولا الخنافس ولا العناكيب ، ويقال ولا العصافير أيضا نعشش فيه ، ولا الحمام ولا شئ مما يتأذى به الناس ، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد ، مما يلي السبع ،

--> ( 1 ) قال في العبر : وفي سنة 740 ه‍ سادس عشر شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل سوق اللبادين القبلية وما تحتها وما فوقها إلى عند سوق الكتب ، واحترق سوق الوراقين وسوق الذهب وحاصل الجامع وما حوله والمأذنة الشرقية وعدم الناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر . وقد ذهب بهذا الحريق أموال الناس وأتى على المباني بأجمعها . ( 2 ) قال صاحب محاسن الشام أن المنارة - مئذنة عيسى - جددت من أموال النصارى لكونهم اتهموا بحريقها باقرار بعضهم .